
مداخلة السيد محمد ولد الرشيد، رئيس مجلس المستشارين في الاجتماع المشترك مع البرلمان الأنديني
السيد الرئيس، الأخ والصديق غوستافو باتشيكو
السيدات والسادة الرؤساء السابقين للبرلمان الأنديني
السيدات والسادة أعضاء الجمعية العامة
زميلاتي زملائي أعضاء المكتب المحترمين،
الحضور الكريم
بكل مشاعر الاعتزاز والسرور، يسعدني أن أرحب بكم، باسم مجلس المستشارين، في المملكة المغربية، وبين إخوانكم الذين يتقاسمون معكم الذاكرة والروابط الإنسانية التاريخية العريقة، ويشاركونكم القيم والمبادرات الخلاقة لبناء مستقبل مشترك أكثر إشراقا.
كما يسرني، في هذا المقام، أن أتوجه إليكم جميعا، بخالص عبارات الامتنان والتقدير على ما أبديتموه من اهتمام وحرص صادقين من أجل توطيد مسار علاقاتكم بالمؤسسة التشريعية المغربية، وهو ما نلمسه بكل وضوح في حرصكم المستمر على تكثيف الزيارات وتوسيع مجالات التعاون والتقارب.
إن حضوركم الكريم اليوم بيننا، وأنتم تمثلون الدول المتعددة المشكلة لبلدان منظومة الأنديز، كولومبيا، البيرو، الشيلي، بوليفيا والاكوادور، ليعتبر حقا، خير شاهد على مدى ثقتكم في المملكة المغربية، وفي مصداقية ومَتَانَةِ علاقاتكم بمجلس المستشارين، و هو فضلا عن ذلك تأكيد لالتزامنا الجاد والصادق، بالارتقاء بعلاقات الصداقة والأخوة والشراكة إلى مستويات أبعد.
والأكيد أن احتضان المملكة المغربية لأشغال دورتكم العامة اليوم، ليعكس عمق الثقة المتبادلة التي تجمعنا، وحرصنا الراسخ في مجلس المستشارين على توفير كل شروط النجاح لهذا الحدث البرلماني الهام، بما يليق بمكانة مؤسستكم الموقرة، وهو في الآن ذاته، وفاءٌ لالتزامنا الثابت في مجلس المستشارين، بجعل تعزيز التعاون والحوار البرلماني جنوب-جنوب، ولاسيما مع منطقة أمريكا اللاتينية والكراييب، في طليعة اهتمامنا وفي صلب عملنا الدبلوماسي البرلماني.
فخلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، استضفنا دورة استثنائية لمنتدى الفوبريل، كما عقد المكتب التنفيذي للبرلاتينو أول اجتماع له خارج أمريكا اللاتينية بالمملكة المغربية، وشارك المجلس في أشغال الجمعية العامة للبرلاتينو بجمهورية بنما، وفي أشغال الدورة العادية للفوبريل بجمهورية الهندوراس. وفضلا عن ذلك، فقد وقعنا مع كافة الاتحادات الجهوية والإقليمية وضمنها منظمتكم الصديقة، الإعلان المشترك من أجل تأسيس المنتدى البرلماني المغرب-أمريكا اللاتينية.
وها نحن اليوم نستضيف بكل فخر واعتزاز دورة جمعيتكم العامة، كما نستعد خلال أيام قليلة لاستقبال زيارة مهمة عن المكتب التنفيذي لبرلمان أمريكا الوسطى.
نفس هذا الزخم في علاقاتنا الثنائية، نستثمره في مد جسور التعاون المتعدد الأطراف، من خلال الإعداد لمؤتمر الحوار البرلماني جنوب-جنوب بين افريقيا، آسيا، العالم العربي وأمريكا اللاتينية، وكذا قمة الأفرولاك، المزمع عقدهما نهاية شهر أبريل.
وإذا كنا نسجل اليوم ارتياحنا الكبير لما نحققه في مسار توطيد شراكتنا المتميزة معكم ومع باقي إخوانكم بأمريكا اللاتينية، فربما يظل السؤال مشروعا حول خلفيات هذا الاهتمام بتعزيز الصداقة والتعاون معكم:
فما هي مرتكزاتنا ومرجعياتنا في هذا المسعى؟
وما الغايات والأهداف المشتركة المتوخاة من كل ذلك؟
السيد الرئيس
أخواتي اخواني أعضاء الجمعية العامة للبرلمان الأنديني
إن العلاقات التي جمعت المملكة المغربية بمنطقة أمريكا اللاتينية والكراييب بعراقتها وتاريخيتها قائمة دوما على عمقها وروابطها الإنسانية وعلى التحديات والرهانات المتشابهة، باعتبار انتمائنا المشترك لدول الجنوب.
ولا شك أن الإرث النضالي التاريخي والحضاري لشعوبنا وكفاحها من أجل الحرية والاستقلال، والتأثير الثقافي المرتبط بالهجرة والتبادل التجاري، والتنوع الثقافي واللغوي الذي يميزهما، كلها عوامل غَذَتْ الذاكرة المشتركة بيننا، وأرست أسس تقارب متين يزخر بالكثير من إمكانات التطوير.
غير أن هذا الرصيد الهام، ورغم ما يحمله من رمزية وعمق حضاري، لا يزال بحاجة إلى مزيد من الاهتمام، ولا سيما في ظل نذرة الدراسات التاريخية والأكاديمية والتوثيقية التي تبحث جذور وفصول الروابط الثقافية والسياسية التي جمعت المملكة المغربية بمنطقة أمريكا اللاتينية، رغم ما نسج من جسور ومن دينامية للتعاون المتنامي بين الجامعات والأكاديميات المغربية ونظيرتها الأَمِرِيكُو لاتينية.
وفي هذا الصدد، أود دعوتكم لاستثمار التجربة الرائدة التي أطلقتموها بتأسيس الشبكة الأندينية للجامعات المعتمدة، من أجل وضع آلية خاصة بالدراسات المغربية الافريقية والعربية بمنظومة بلدان الأنديز، وسنكون في مجلس المستشارين معتزين بدعم هذه المبادرة، فتوثيقنا الدقيق للجذور التاريخية لهذه العلاقات سيشكل بكل تأكيد سندا ومنصة لدعم العلاقات الحالية والمستقبلية.
السيد الرئيس،
وحين نستحضر اليوم رصيد علاقاتنا التاريخية، ونقارنها بما تشهده اليوم من زخم متجدد، ندرك هذه المكانة الرفيعة التي ظلت تحظى به المملكة في وجدان شعوب الدول الأندينية ومنطقة أمريكا اللاتينية على العموم.
وهذه المكانة تتجسد بشكل أساس، في التقدير العميق والعرفان الصادق الذين يحظى بهما جلالة الملك محمد السادس نصره الله، ببلدان منطقتكم، والذي لطالما لمسناه خلال زياراتكم وأثناء مشاركتنا معكم، حيث رغم مرور عقدين من الزمن على الزيارة التاريخية لجلالته نصره الله، والتي شملت بلدين من البلدان الخمسة الأعضاء بمنظمتكم الصديقة، نقف دائما على ما فتحته من آفاق واسعة في مسار الصداقة والتعاون بيننا.
وإلى جانب الأثر الرمزي والسياسي الكبير لتلك الزيارة، لا يمكن إغفال الدور المحوري الذي لعبته الإصلاحات السياسية والدستورية الكبرى التي أطلقها جلالته مباشرة بعد توليه عرش أسلافه الميامين، وما ميز هذه الفترة من توطيد للتجربة الديمقراطية المغربية وتعزيز البناء المؤسساتي، والتي كان من أبرز تجلياتها إطلاق تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة، كأول آلية للعدالة الانتقالية في المنطقة العربية، والتي كان لها صدى واسع وتأثير عميق داخل الأوساط السياسية والمدنية ببلدانكم، وحظيت بتنويه مستحق من قبل العديد من دول أمريكا اللاتينية التي أدرجتها ضمن المبادرات الخلاقة والفريدة على المستوى العالمي، لما وجدته فيها من تقاطعات طبيعية مع مَسَارَات المصالحة والعدالة الانتقالية التي عرفتها دولكم، ولما عكسته من نضج سياسي وجرأة إصلاحية واستشراف حضاري قل نظيره.
السيد الرئيس
أخواتي إخواني
إن عملنا الدبلوماسي البرلماني معكم، وإلى جانب ارتكازه على ترصيد المكتسبات واستثمار الدينامية الجديدة لعلاقات المملكة المغربية ببلدان مجموعة الأنديز، يسترشد و يستند كذلك بالتوجه الإستراتيجي لِبِلَادِنَا في تعزيز التعاون جنوب-جنوب، وعلى استثمار القيم والروابط المشتركة، من أجل تقاسم التجارب بشأن القضايا والرهانات التي تواجه شعوب مناطقنا، وخصوصا ما يرتبط بالهجرة والتنمية المستدامة والأمن الغذائي والعدالة البيئية والاجتماعية، والتعريف بخصوصيات ومميزات التجربة الديمقراطية والحقوقية المتفردة لبلادنا في محيطها الإقليمي والجهوي، وإبراز مدى تقاطعها مع مسارات المصالحات وأوراش العدالة الانتقالية بأمريكا اللاتينية.
والأكيد أن انضمام برلمان المملكة المغربية لمنظمتكم الجهوية الصديقة، قد جاء تجسيدا لقناعة المغرب بأهمية الدور الطلائعي الذي تلعبه اليوم التكتلات الإقليمية والجهوية في عالم متسارع التحولات والتغيرات، ورغبة منه في دعم مسلسل الاندماج الجهوي الذي توجد ضمنه دول منظمتكم الإقليمية.
ولا شك، أن هذه المرجعيات والمرتكزات، هي التي جعلت المملكة المغربية شريكا موثوقا كذلك، لدى التكتلات الحكومية والسياسية والاقتصادية الجهوية والإقليمية بمنطقتكم، وضمنها منظومة مجموعة دول الأنديز، حيث تمت المصادقة على عضوية المغرب بصفة عضو ملاحظ لدى هذه المجموعة خلال الاجتماع الـ 20 لمجلسها الرئاسي، المنعقد يوم 08 يوليوز 2020 بالعاصمة الكولومبية بوغوطا، لتكون بذلك الدولة الوحيدة عربيا وافريقيا التي تحظى بهذا الوضع.
السيد الرئيس
أخواتي إخواني
إننا في مجلس المستشارين، وإلى جانب رغبتنا الصادقة والراسخة في تمتين مسارنا المتميز من التعاون والصداقة، وترجمته الى مشاريع عمل لصالح بلداننا وشعوبها، ومواصلة استكشاف كل السبل وكافة الآليات الكفيلة بتحقيق شراكة قوية وتعاون كامل ومثمر للجميع.
فنحن كباقي مؤسسات المملكة وكافة مكونات الشعب المغربي، حاملو قضية، قضية عادلة، تشكل مصدر إجماع وطني، بل وجزءا متأصلا في الهوية المغربية، هوية الدفاع المستميت عن الوحدة الترابية وسيادة المغرب على كافة أراضيه.
فالإقرار بتفرد المسار المتميز من العلاقات التاريخية والعريقة للمغرب مع بلدان منطقتكم، لا يعفينا من الإشارة إلى أن النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، قد ساهم في عرقلة مسارات التعاون مع بعض من بلدان المنطقة.
والحقيقة أننا لسنا فقط أمام نزاع مفتعل، بقدر ما هي محاولة، لتقسيم وتجزيئ للتراب المغربي استنادا إلى أساطر وسرديات وهمية تروم جاهدة المس بسيادتنا الوطنية، ضدا على الحقائق التاريخية والسياسية والقانونية والواقعية لقضيتنا الوطنية.
ومنها هذا الدعم والتأييد الأممي والدولي المتنامي لمغربية الصحراء وللمبادرة المغربية للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، و التي تظل الحل الوحيد المقبول والعادل لإنهاء هذا النزاع المفتعل.
هي كذلك بلدان منطقتكم، التي تعرف دينامية مهمة في دعم المبادرة المغربية وفي مراجعة المواقف الموروثة عن سياقات الحرب الباردة.
وأصارحكم أخواتي وإخواني بهذه الحقائق، ونحن عازمون في مجلس المستشارين، بالانفتاح كذلك على باقي الدول والمناطق، وسنعبئ كل إمكانياتنا السياسية والفكرية من أجل بسط الحجج والأدلة القانونية والسياسية والتاريخية والروحية، التي تؤكد شرعية مغربية الصحراء، استرشادا بالتوجيهات المتضمنة في الخطاب السامي لجلالة الملك حفظه الله في افتتاح الدورة الأولى لهذه السنة التشريعية.
وغدا باذن الله، سنكون بمدينة العيون حاضرة الأقاليم الجنوبية، وسنكون أمام فرصة لتعريفكم بالثقافة الصحراوية الحسانية الأصيلة، وجمالية ما رسمته الطبيعة من لوحات جميلة تمزج الرمال الصحراوية بماء المحيط.
هناك، سنقفون بأنفسكم على الحقيقة الثابتة، وعلى الواقع الذي لا يقبل الجدل ولا يدع مجالا للشك؛
واقع النهضة التنموية الشاملة، والأمن والاستقرار الذي تعيشه الصحراء المغربية، بفضل الأوراش المفتوحة والمشاريع المهيكلة غير المسبوقة التي أطلقهتا بلادنا بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.
واقع مغربية الصحراء والتشبت العميق والراسخ للصحراويين، وأنا واحد منهم، بهويتهم المغربية وممارستهم لحقهم غير القابل للتصرف في التدبير الديمقراطي للشأنين العام المحلي والوطني عبر منتخبيهم في مختلف المجالس والهيآت المحلية والجهوية، والذين يعتبرون الممثلين الشرعيين والحقيقيين لساكنة المنطقة.
السيد الرئيس
السيدات والسادة أعضاء الجمعية العامة للبرلمان الأنديني
كانت هذه عناصر حاولت من خلالها بسط ما يميز مسار علاقاتنا البرلمانية، وما يسندها من اعتبارات تاريخية وراهنة، وما يحكمها من أهداف وغايات، فلا شك أن ما يجمعنا من قيم وروابط إنسانية عميقة، ومن تحديات وقضايا مشتركة، كفيلة بالرقي بعلاقاتنا الى أعلى المستويات.
فمنظمتكم الصديقة تحظى بالكثير من التقدير والاحترام لدينا، وتجربتكم الممتدة لما يقارب خمسة عقود، تعد نموذجا للوحدة والاندماج الإقليمي الذي تمكنتم من بنائه، وخاصة ما قمتم به لضمان تكامل شعوبكم عبر حوار مثمر قائم على الاحترام المتبادل، وهو ما كان له دون شك الاسهام الكبير في بناء مستقبل شعوب المنطقة وبناء مجتمع أنديني أكثر توحدا وانفتاحا على العالم.
فمرحبا بكم بالمملكة المغربية أصدقاء أوفياء أعزاء.
عاشت الصداقة والاخوة المغربية الاندينية
وشكرا لكم